سيادة القانون في الدولة المدنية … المحامي جمال الخطاطبه

سيادة القانون في الدولة المدنية

لا شك أن المجتمعات الانسانية ومنذ اقدم العصور سنت لنفسها تشريعات قانونية تنظم علاقة الأفراد بالدولة التي يعيشون في كنفها , وتُنظم معاملات وعلاقات الأفراد ببعضهم البعض لتكريس معنى العدالة والمساواة بحسب القيم والمعتقدات السائدة لديهم , حيث كانت اداة مفروضة لتنظيم حياة المجتمعات لضمان التعايش الإنساني بالحد الأدنى من الانسجام , فقد كان للقانون المصري (الذي يرجع تاريخه إلى 3000 سنة قبل الميلاد) قانون مدني مقسم إلى ما يقرب من اثني عشر كتابًا، والذي اعتمد على مفهوم (ماعت) وهو إلهة الحق والعدل والنظام في الكون عند المصريين القدماء ، وكان هذا القانون متميزًا بالتقاليد، و الخطاب البلاغي.

وبحلول القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد، قام أورمانو، وهو حاكم سومري قديم، بصياغة أول مدونة قوانين، تتكون من بيانات إفتاء , وفي عام 1760 قبل الميلاد تقريبًا، أضفى الملك حامورابي مزيدًا من التطور على القانون البابلي، عن طريق تدوينه على حجر، ووضع نسخًا متعددة من مدونة قانونه في جميع أرجاء مملكة بابل كلوحات يراها جمهور الناس بالكامل، وعُرف ذلك بشريعة حمورابي. اما في أثينا القديمة، عاصمة اليونان، فقد كان أول مجتمع يعتمد على استيعاب واسع للمواطنين، بما في ذلك النساء وطبقة العبيد.و كانت تفرق بين القانون الإلهي والمرسوم الإنساني والعرف , ومع ذلك احتوى القانون اليوناني القديم على ابتكارات دستورية في تطور الديمقراطية.

اما في عصرنا الذي نعيش , وفي ظل العلاقات المعقدة للمجتمعات البشرية, نجد انه لا غنى للانسانية على النظام القانوني لتنظيم شؤون المجتمع والدولة وعلاقتهما ببعضهما من ناحية , وعلاقات الدول مع بعضها البعض من ناحية اخرى , لذلك نجد ان الدول اتجهت لاعتماد نظم قانونية تحمي مصالحها ومصالح مواطنيها باتباع منهجية ما يسمى القانون الاساسي للدولة (الدستور) الذي يؤطِّر نظام الدولة وسلطاتها واسلوب الحكم فيها, واسلوب سن التشريعات المختلفة , والحقوق الاساسية للافراد , واتخذت بعد ذلك سمو الدستور اساسا لتشريعاتها اللاحقة بحيث لا يجوز للتشريع الادنى ان يخالف التشريع الاساسي الاعلى مرتبة وهو الدستور .

في المنظور القانوني , يعتبر سمو القانون الأساسي او الدستور من أهم المبادئ المتبعة لحماية النظام القانوني في الدولة , فهو ضمانة لعدم الاخلال بنظام الدولة الأساسي الذي قامت بموجبه سلطاتها المختلفة , لهذا استحدثت الدول أساليب مختلفة لحماية هذا السمو التشريعي من اي تجاوزات او اعتداء , فمنها من أعطى للسلطة القضائية الحق في الرقابة على القوانين المختلفة وأعطاها الحق في الامتناع عن تطبيق اي قانون او نص يخالف القانون الأساسي للدولة وهو ما يسمى (بالدفع الفرعي) , ومنها ما أعطى للقضاء الحق بإلغاء أي قانون يخالف القانون الأساسي للدولة وهو ما يسمى (بالدفع الاصلى), ومنها ما أوجد كيان قانوني مستقل بذاته لحماية هذا المبدأ وهو ما سمي بالمحاكم الدستورية .

ولعل ما ينبثق عن مبدأ سمو الدستور مبدأ سيادة القانون , وفحوى هذا المبدأ انه لا يجوز للسلطات العامة القائمة في الدولة أن تمارس صلاحياتها وسلطاتها إلا وفق قوانين مكتوبة صادرة وفق الإجراءات والأصول الدستورية المنصوص عليها فيه, ويقتضي ذلك انصياع المواطنين والدولة بكافة سلطاتها ومؤسساتها وإداراتها وموظفيها لحكم القانون المطبق فيها ، دون أن يكون هناك امتياز لأي أحد أو استثناء من تطبيقه بحكم المنصب أو الدين أو الثروة ، وهذا يقودنا الى ما يسمى المساواة أمام القانون دون النظر للعرق أو اللون أو الدين او المكانة الاجتماعية او الوظيفية , وفي هذا السياق عرف ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م مفهوم سيادة القانون كالاتى : «يشير مفهوم سيادة القانون إلى مبدأ للحكم يكون فيه جميع الأشخاص والمؤسسات والكيانات والقطاعات العامة والخاصة، بما في ذلك الدولة ذاتها، مسؤولين أمام قوانين صادرة علناً، وتطبق على المجتمع بالتساوي ويحتكم في إطارها إلى قضاءٍ مستقل وتتفق مع القواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

ولعل من أشهر الأحكام التي تتعلق بهذا المبدأ قرار المحكمة العليا الأمريكية عندما رفض الرئيس الأميركي “ ريتشارد نيكسون “ تقديم أوراق ومستندات للقضاء تتعلق بفضيحة ( ووتر جيت ) الشهيرة ، بحجة أنه يتمتع بامتيازات تنفيذية تعفيه من تقديم تلك الأوراق ، فكان قرار المحكمة العليا واضحا في إلزامه بتقديمها حتى يقول القضاء كلمته فيها ، مما سرع في استقالة الرئيس المذكور في 8/8/1974 ، وجاء في قرار المحكمة : (( إن المحكمة الدستورية العليا باعتبارها حارسة على الدستورية تقرر أن الدستورية تعني خضوع الجميع للدستور بلا استثناء 

ولمزيد من حماية النظام القانوني في الدولة وتفعيل مبدأ سيادة القانون, فان لا بد من إعمال مبدأ الفصل التام بين السلطات الثلاث في الدولة وحماية السلطة التشريعية والقضائية من اي تدخل او عبث بارادتها او التأثير على قراراتها , ويتطلب ذلك بالضرورة أساس تشريعي سليم وعادل ومتفق مع تركيبة المجتمع لانتخاب أعضائها بصورة تضمن تمثيل جميع شرائح المجتمع , وتشريع يمنح السلطة القضائية الاستقلال التام عن اي سلطة اخرى ليكون القضاء حصنا منيعا لتحقيق العدالة وسيادة القانون.

ويعد الاحترام الذاتي للمنظومة القانونية التي تحكم المجتمع عنصر مهم لا غنى عنه لتحقيق الحماية الاشمل للنظام القانوني في الدولة , ذلك ان الالتزام الذاتي بالقوانين المنظمة لحركة المجتمع قيمة أخلاقية في المجتمعات المتحضرة , من هذا المنطلق , احترام النظام القانوني يجب ان لا يقوم على اساس الخوف من العقوبات المفروضة على مخالفة القانون فقط بل لا بد ان يكون احترام القانون والانصياع له ثقافة اجتماعية سائده وجزء من الاخلاق العامة للمجتمع , و تطبيق هذا المفهوم يحتاج تسلسل تربوي لسلوك الافراد يبدأ بالاسرة وينتهي بالحياة العملية سوء في الوظيفة العامة او في الاعمال الخاصة .

ان التزام الدولة و مؤسساتها ومسؤوليها بالنزاهة والشفافية والحرص على تطبيق القانون يعتبر نقطة تحول مهمة نحو الدولة المدنية التي تعزز مفهوم سيادة القانون , فمخالفة الدولة او اي من مؤسساتها او مسؤوليها لاحكام القانون ونصوصه لهو مدعاة لعدم اكتراث الافراد بتطبيق القانون والانصياع له بل سيشكل حافزا لدى المواطنين لتجاوز أحكام القانون , وهذا بالتالي سوف يؤدي الى نسف مبدأ سيادة القانون وانهيار المنظومة القانونية التي تحكم الدولة وبالنتيجة ضياع حقوق المواطنين وإخلال بمبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية .

لقد كانت الورقة النقاشية السادسة للملك خارطة طريق تحمل كل هذه المفاهيم الاساسية التي تعد مرتكزات للدولة المدنية , ترشد الدولة ومؤسساتها ومواطنيها نحو بناء الدولة المدنية التي تقوم على مبدأ سيادة القانون واحترام المنظومة القانونية السائدة في الدولة لتحقيق العدالة والمساوة بين الجميع دون استثناءات او امتيازات دينية او عرقية او عشائرية او وظيفية , و ترتكز على مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص وقيم المواطنة الصالحة التي تنتقل بالمجتمع نحو التحضر و المدنية التي لا تتعارض باي شكل من الاشكال مع مبادىء العقيدة الاسلامية السمحة وخاصة اذا ما علمنا ان الكثير من نصوص القوانين الاردنية مأخوذ من مبادىء الشريعة الاسلامية ومن اهمها القانون المدني الاردني 

في هذا السياق اقتطف فقرة من الورقة النقاشية السادسة للملك تلخص مفهوم الدين في الدولة المدنية😦 فالدين في الدولة المدنية عامل أساسي في بناء منظومة الأخلاق والقيم المجتمعية، وهو جزء لا يتجزأ من دستورنا. ولا يمكن أن نسمح لأحد أن يستغل أو يوظف الدين لتحقيق مصالح وأهداف سياسية أو خدمة مصالح فئوية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s