ظواهر اجتماعية تبذيرية ..

ظواهر اجتماعية تبذيرية .. بقلم المحامي جمال الخطاطبه  
2009-11-24
ظواهر اجتماعية تبذيرية .. بقلم المحامي جمال الخطاطبه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تجتاح العالم بأسره والتي تلقي بظلالها أيضا على الأردن نحن بحاجة إلى العودة إلى أسس ومعاير اقتصادية تحدد طريقة الإنفاق على الصعيدين الفردي والمؤسسي وتضع النفقات في مكانها الصحيح دون تبذير أو إسراف على ما لا نفع ولا جدوى منه .

ولا يقتصر تطبيق النظريات الاقتصادية على الدولة ومؤسساتها وإنما يبدأ التطبيق من الأفراد وصولا للإنفاق العام للدولة ودعنا في هذا المجال نترك موضوع الإنفاق العام لنتطرق إلى الإنفاق على المستوى الفردي والاجتماعي .

ندعوا الله دائما أن يجعل كل أيامنا أفراحا ومناسبات سعيدة ولكن لا يجوز أن نجعل هذه المناسبات السعيدة مدعاة للتبذير والإنفاق بغير داع هدفنا منه التفاخر والمنافسة والتعالي على الغير وإظهار الفرح بصورة مبالغ فيها وننفق المبالغ الطائلة لنجعل المناسبة السعيدة صيتا بين الناس يتناقلونه فيما بينهم وهناك أناس جياع لا يجدون لقمة يومهم ولا يجدون ما ينفقونه على أبنائهم لتعليمهم أو حتى للنفقات الضرورية لأي كائن بشري .

لقد ظهر في مجتمعنا في خلال العقد الماضي عدد من الظواهر الاجتماعية التبذيرية التي بدأت تأخذ منحى العادة والتقليد الاجتماعي بطريقة أصبح من يخالفها كأنما اعتدى على تقاليد المجتمع علما أنها دخيلة على مجتمعنا الأصيل ولا صلة لها بعاداتنا وتقاليدنا الاجتماعية

فهناك عدد كبير من المواطنين من يرسم صورة مؤذية من صور الإسراف والتبذير المنافية تماما لمسؤوليتنا الاجتماعية والعقائدية والأخلاقية إزاء شكر النعم التي من الله بها علينا .

لقد اصبحنا نبادر إلى الاحتفال بكل مناسبة صغيرة أو كبيرة بطريقة غير مسبوقة فلأعياد الميلاد احتفالاتها ولرأس السنة الميلادية احتفالاتها وللثانوية العامة احتفالاتها وللتخرج من الجامعة احتفالاتها وللخطوبة الزواج احتفالاتها وللانتخابات بجميع مواقعها سواء كانت طلابية أو بلدية أو برلمانية احتفالاتها وللحصول على الجوائز والمراتب احتفالاتها وللحصول على الوظيفة احتفالاتها وللمناصب العليا احتفالاتها ولم يبقى شيء لا يحتفل به .

إن الاحتفال بأي مناسبة سعيدة ليس عيبا بحد ذاته ولكن أسلوب الاحتفال وطريقة الإنفاق عليه هي ما قد يعد مشكلة ومحلا لتوجيه النقد ، فالظواهر التي تلازم احتفالات الناس بأفراحهم من إطلاق العيارات والألعاب النارية للتعبير عن الفرح واستخدام السماعات المرتفعة حتى ساعة متأخرة من الليل وبناء خيم الأفراح على الشوارع العامة وإغلاق الشوارع في مواكب الأفراح ودفع التكاليف الباهظة لحجز الصلات والفرق الفنية والآلات الموسيقية والسيارات والبوفيهات المفتوحة والذبائح والزينة حتى في اقل المناسبات أهمية تعد نفقات غير ضرورية وبابا من أبواب الإسراف والتبذير .

فمن يتخرج من الجامعة يجد في انتظاره عند خروجة من حفل تخرجة الموكب الضخم من السيارات وآلات التصوير وأجهزة الموسيقى وأصوات الفوضى والأغاني التي تضج بها سيارات الموكب انطلاقا إلى مكان سكنه بعد أن تتسبب بالازدحام في الشواع والإزعاج للمواطنين وإغلاق الشوارع والتجاوزات الجنونية وفي بعض الأحيان الحوادث المؤسفة ، وعند الوصول تجد الناس وقد تجمعوا واعدت العدة للاحتفال حتى الصباح وتنطلق الألعاب النارية هباء في الهواء وتبدى الموسيقى الصاخبة سهرتها الطويلة دون مراعاة لأبسط حقوق الجار وظروفه وكل ذلك لأنه الوحيد الذي تخرج من الجامعة والمنصب والمرتبة الرفيعة بانتظاره .

ومن يجتاز امتحان الثانوية بنجاح وبغض النظر عن معدله يبدأ الإعداد للولائم والاحتفال وتذبح الذبائح وتوجه الدعوى للصديق والعدو وتبدأ المأساة الاجتماعية تتكرر .

ومن يحتفل بعيد ميلاده المجيد يبدأ الإعداد لهذا الاحتفال ويبادر بعضهم إلى حجز صالات الفنادق والبوفيهات المفتوحة وصالات الرقص ويدفع ألاف الدنانير ليجعل احتفاله فريد من نوعه والغريب في ذلك انه يلقى ترحيبا وتشجيعا من الأهل وهنا المصيبة الكبرى .

أما الزواج الذي هو من سنن الخالق ومبارك من الله ورسوله فتاتي احتفالاته التفاخرية في غير مكانها وغايتها الشرعية التي هي إشهار الزواج على كتاب الله وسنة رسوله ولكننا ابتعدنا كثيرا عن هذه الغاية لنجعله فرصة لإظهار الصيت والجاه والكبرياء فتقام السهرات والاحتفالات التي تسبب الإزعاج والأذى للناس وتنفق المبالغ الضخمة لجعله عرسا مشهودا مذكورا ويتحدث الناس عن تكاليفه العالية .

ولا اعرف ما هي الدواعي التي تجعل طلاب الجامعات يجوبون الطرقات فرحين بنجاح احد زملائهم في مجلس الطلبة ويقيمون الرقصات في الشوارع ويأتي المهنؤن إلى بيته وتوزع الحلويات وتقام الولائم في بعض الأحيان ، عدا عن الاحتفالات الضخمة التي تقام للناجحين في الانتخابات البلدية والنيابية وما يلحقنا من مصاريف ضخمة يتبارى فيها الناجحون ويذهل لها المهنؤن .

إننا بحاجة ماسة للعودة إلى التقاليد الاجتماعية الإسلامية الحميدة التي تربى عليها إباؤنا وأجدادنا والتي تتبنى المحبة والتآخي بين الناس ومراعاة الظروف المعيشية والالتزامات الاجتماعية تجاه الغير .

هناك الكثير من الناس بحاجة ماسة للمساعدة لسد ابسط احتياجاتهم ونستطيع أن نقدم لهم الكثير بدلا من الإسراف والتبذير بغير داع ، فالذبائح التي تذبح ليعزم عليها الأغنياء والوجهاء ويذهب نصفها إلى حاويات القمامة ألا نستطيع أن نقوم بتوزيع لحمها على الفقراء والمساكين وتكون فرحتنا فرحة للمحتاجين ، ألا يستطيع من ينفق عشرات الألف من الدنانير على أعياد الميلاد أو على حفلات التخرج أن يتبنى عدة طلاب من المحتاجين فيكسب بذلك ود الرحمان وحب الناس والبركة في المال والولد ، ألا نستطيع أن نجعل أفراحنا بسيطة مريحة لا تثقب طبلة أذن من يحضرها ولا يتمايل بها السكارى بطريقة تشمئز لها النفوس ،ألا نستطيع أن نجعل فرحنا خال من معصية الخالق سبحانه وتعالى ونجيرها لرضاه ومنفعة عباده .

ولنأخذ من قدوتنا جميعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدلنا إلى الطريق الصحيح قال (ص) ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) فكم من أعضاء الجسد يشتكي ولا يسمع شكواه العضو الأخر ، كيف لنا أن نبالغ بفرحنا ونبذر وجارنا حزين لا يعرف كيف سيأتي لأولاده بلقمة الغد كيف نفرح وغيرنا مثقل بالهموم بسبب الفقر وقلة الحيلة ، أليست أموالنا أمانة في أعناقنا وسنحاسب علي إنفاقها فالنتقي الله ونبتعد عن التبذير والإسراف فيما لا يرضي الله ورسوله وعباده .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s