تركة الفساد الضخمة

تركة الفساد الضخمة * المحامي جمال الخطاطبه  
2011-04-26
تركة الفساد الضخمة * المحامي جمال الخطاطبه لقد ضقنا ذرعا من الفساد الحكومي على المستوى المالي والإداري ، الذي تفشى بأركان الدولة منذ أمد بعيد وأوصلها إلى حد الانهيار، فبعد أن أضحى كل شيء مكشوف للمواطن على مختلف مستوياته الثقافية ، وباتت وسائل الاتصال الحديثة مصدر معلومات متاح للجميع يكشف المستور ويفضح المأجور والمسئول وفي ظل هذا الوضع المكشوف للعامة بدأ رواد نادي الفساد الحكومي يبحثون عن وسائل جديدة وحديثة لإكمال مسلسل الفساد ذو الحلقات الطويلة جدا كمسلسل الجريء والجميلة .

الجميع ينتظر الحلقة الأخيرة من مسلسل الفساد في الأردن ونتمنى من كل قلوبنا موت جميع أبطال هذا المسلسل الذي خنق المواطن لسنوات طويلة ، أو على الأقل الشلل التام حتى نتمكن من توزيع تركة أبطال هذا الفساد على المواطنين بعد أن سلبت منهم بطرق لا حصر لها ، ولا ننسى طبعا المخرج والمنتج ، وكاتب النص والموزع فهم جميعا شركاء في إخراج هذا المسلسل الذي شغل الجميع لسنوات طويلة وما زال مستمرا .

عايشنا الكثير من الحكومات التي تعاقبت على حمل المسؤولية الوطنية والتي تعاقبت أيضا على حمل شعار مكافحة الفساد ، بل انه أقوى الشعارات الذي تتبجح به الحكومات لتبيض صفحتها ، إلا أننا أدركنا جميعا انه شعار ورقي لا أكثر ضحاياه صغار موظفي الدولة المغلوب على أمرهم ، وبات المنظر مخزيا بعد ما رفع الحجاب عن شخصيات حكومية فاسدة لطالما تشدقت بمصطلح محاربة الفساد ، بينما كانت في الواقع تتنافس على حصتها من كعكة المال العام ، ولم يكن ظهورها للعلن خطأ بل نتيجة حرب سلطوية بين كبار المتنفذين في الدولة المتنافسين على المناصب المتوارثة سعيا وراء مفسدة اكبر وحصة مضاعفة .

إن ضخامة التركة الناتجة عن الفساد والتأثير الكبير الذي أحدثته على مستوى معيشة المواطن ، وعدم الجدية في مكافحة الفساد و ضعف أداء المجالس النيابية وانتساب بعض أعضائها لنادي الفساد ولد الإحساس لدى المواطن بعدم الثقة بالحكومات المتعاقبة وشعاراتها البراقة وأوصل الرأي العام إلى درجة الغليان الذي اخرج الناس بمظاهرات مطالبة بالقضاء على هذا المرض المزمن الذي أصبح يشكا خطرا كبيرا على كيان الدولة الأردنية التي تعتبر بحق من عجائب الدنيا السبع فهي رغم نهب مواردها القليلة ما زالت قائمة على أرجلها وتستطيع دفع الرواتب لموظفيها .

مع علمنا بأن المخفي أعظم إلا أن حجم قضايا الفساد التي تم كشفها وإظهارها للعلن كبير جدا لدرجة يجعل من الأردن إحدى دول الخليج ذات الميزانية الفائضة ، ولكن أسلوب الردع المتبع في عقاب مرتكبيها أسلوب تشجيعي لا عقابي ، فمن يسرق الملايين ويفتضح أمره فسجنه بيته أو فندق خمس نجوم أو سفرية إلى دولة ذات رفاهية عالية تتناسب مع حجم المال المنهوب ، أو صفقة سرية تخرج بصيغة الخطأ غير المقصود أو ادعاء عدم العلم المسبق بما جرى ، ومن يسرق المئات لحاجة وان كانت لا تشكل عذرا إلا أن عقابة شديد والتنكيل به اشد مما يجعلنا نقترب كثيرا من قانون سكسونيا الشهير .

في جميع الأحوال لا يجوز أن نسمح بانتقال تركة الفساد إلى ورثة الفاسدين ليواصلوا مكاسبهم الغير مشروعة على حساب قوت الشعب ومقدراته ، بل يجب الاستحواذ عليها وإعادتها إلى خزينة الدولة ، ويتحقق ذلك بتطبيق مبدأ سيادة القانون أولا بعد التخلص من مبدأ ازدواجية التطبيق القانوني وتفصيل القانون على مقاس المتنفعين ، والتأكيد على استقلال القضاء التام عن أي جهة حكومية وعدم التدخل بشؤونه ، أو التأثير على نزاهته وحياده ، وثانيا عبر تفعيل آليات الرقابة على المال العام وعدم التهاون مع أي شخص يتجرى على المال العام مهما كان منصبه وإصدار التشريعات التي تعطي الحق لمؤسسات المجتمع المدني بالمشاركة في عملية مكافحة الفساد وكشف أوكاره ومراقبة تنفيذ هذه الآليات وحماية المبلغين عن الفساد من أي عمليات انتقامية .

وثالثا عبر تبني استراتيجية تقوم على الشمولية والتكامل لمكافحة هذه الظاهرة، من خلال تحديد مفهوم الفساد وأسبابه وأشكاله ومن ثم العمل على التقليل من الفرص والمجالات التي تؤدي إلى وجوده أو تضفي عليه الشرعية والقبول من المجتمع. وتعزيز فرص اكتشافه عند حدوثه، ووضع العقوبات الرادعة بحق مقترفيه و يتطلب كذلك صحوة ثقافية تبين مخاطره السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتنشر الوعي بتكاليفه العالية.

ورابعا وهو العنصر الأهم من بين ما ذكر توفر الإرادة من قبل القيادة السياسية لمحاربة الفساد حتى يكون ذلك على مستوى الدولة والمجتمع أو على الأقل بان لا تصطدم توجهات مكافحة الفساد مع السلطة السياسية

أن محاربة الفساد تتطلب رأيا عاما نشطا وواعيا يتابع الأحداث، ويهتم بالكشف عن حالات الفساد ويعاقب عليها من خلال الحرمان من التأييد الشعبي للعناصر الفاسدة في النظام السياسي ،ولقد بدأنا الخطوة الأولى على الطريق الصحيح في مكافحة هذه الظاهرة الخطيرة من خلال المشروع الوطني لمكافحة الفساد الذي أطلقه قائد الوطن المفدى بتوجيهاته السامية إلى الحكومة ومؤسسات الدولة المختلفة باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لاجتثاث الفساد من جذوره ونأمل أن نستمر بخطوات واثقة وممنهجة للتخلص من هذا الداء الخبيث .

Homatalhaq.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s